علي بن أحمد المهائمي

278

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

( فإن قلت ) أيها الناظر في حجاب الزجاج ( أن النور ) الممتد على ظله ( أخضر لخضرة الزجاج ) المؤثر في ظله بالخضرة ( صدقت وشاهدك الحس ) الظاهر الذي لا يمكن تكذيبه وتصديق العقل المتفرع عليه ، ( وإن قلت : إنه ليس بأخضر ولا ذي لون ) فضلا عن الخضرة ( لما أعطاه ) أي : نفي اللون ( الدليل ) الدال على تنزهه في نفس الأمر ، وإنما هو للظل الذي امتد هذا النور عليه ( صدقت وشاهدك النظر العقلي الصحيح ) بحيث يمكن جعله في مقابلة الحس ، فيجمع بينهما باعتبار الجهات المختلفة . فإذا نظرت إليه بنظر العقل الصحيح ، ( فهذا ) الظاهر تحت الزجاج ( نور ممتد ) يرى له تلون ( عن ظل ) امتد عليه ( هو ) أي : لون ذلك الظل ( عين ) لون ( الزجاج فهو ) أي : المرئي تلونه بلون الزجاج في الحقيقة ( ظل ) لم يسود كسائر الظلال ؛ لأنه ( نوري ) وقع عليه أثر النور من وراء الزجاج ( لصفائه ) أي : صفاء الزجاج الموجب تنور الظل ( كذلك ) أي مثل هذا الظل النوري لصفاء ما امتد عليه ( المتحقق منا بالحق ) ، وهو المتخلق بأسمائه كلها أولا حتى صار بحيث يؤثر بها في الغير لكماله ( تظهر فيه صورة الحق ) الذي هو بمنزلة نور الشمس المظهر للظل ( أكثر مما تظهر في غيره ) ؛ لصفاء محله ، فيصير ظله نورانيّا كما تصير صورة الشمس في المرآة نورانية تنير من محاذاتها من الماء والجدار ، وتنتهي هذه الصورة إلى مراتب جليلة . ( فمنا من يكون الحق سمعه وبصره وجميع قواه ) المدركة والمحركة ، وجميع ( جوارحه ) بأن تتم مناسبتها لصفات الحق التي لا تغاير ذاته ، فكأنها عين ذاته يعرف ذلك ( بعلامات ) من الاشتغال بالنوافل حتى يغلب عليه حب الحق ، فيتم صفاؤه ، فلا يحتجب عن مداركه ، ولا يلتبس عليه فعل ، وهذا لا ينكر شرعا ، فإن ( الشرع ) هو ( الذي يخبر عن الحق ) بذلك إذ تجلى عليه السّلام عن ربه : « ولا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجليه التي يمشي بها » « 1 » . [ ومع هذا عين الظّل موجود ، فإنّ الضّمير من سمعه يعود عليه ، وغيره من العبيد ليس كذلك ، فنسبة هذا العبد أقرب إلى وجود الحقّ من نسبة غيره من العبيد ، وإذا كان الأمر على ما قرّرناه فاعلم أنّك خيال وجميع ما تدركه ممّا تقول فيه « سوى » خيال ، فالوجود كلّه خيال في خيال ، والوجود الحقّ إنّما هو اللّه خاصّة من حيث ذاته وعينه لا من حيث أسمائه ؛ لأنّ أسماءه لها مدلولان : المدلول الواحد عينه ، وهو عين المسمّى ، والمدلول الآخر ما يدلّ ممّا ينفصل الاسم به عن هذا الاسم الآخر ، ويتميّز فأين الغفور

--> ( 1 ) سبق تخريجه .